محمد بن جرير الطبري

402

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

؛ وذلك أن قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ محتمل : أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم ، في صلاتكم التطوع ، وفي حال مسايفتكم عدوكم ، في تطوعكم ومكتوبتكم ، فثم وجه الله ؛ كما قال ابن عمر والنخعي ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا . ومحتمل : فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها ؛ لأَن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها . كما قال أبو كريب : قال ثنا وكيع ، عن أبي سنان ، عن الضحاك ، والنضر بن عربي ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال : قبلة الله ، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني إبراهيم ، عن ابن أبي بكر ، عن مجاهد ، قال : حيثما كنتم فلكم بلة تستقبلونها ، قال : الكعبة . أن قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ محتمل : أينما ومحتمل : فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنا لك وجهي أستجيب لكم دعاءكم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : لما نزلت : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا : إلى أين ؟ فنزلت : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . فإذا كان قوله عز وجل : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ محتملا ما ذكرنا من الأَوجه ، لم يكن لأَحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها ؛ لأَن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ معني به : فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم . ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس أمرا من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة ، فيجوز أن يقال : هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس ؛ إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين ، من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى . ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بأنها نزلت فيه ، وكان الاختلاف في أمرها موجودا على ما وصفت . ولا هي إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة ، إذ كانت محتملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم ، ومعناها : في حال دون حال إن كان عني بها التوجه في الصلاة ، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء ، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا . وقد دللنا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأَحكام " ، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما نفى حكما ثابتا ، وألزم العباد فرضه غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك . فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم ، أو المجمل ، أو المفسر ، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع . ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه ، ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ بحجة يجب التسليم لها ، فيقال فيه : هو ناسخ أو منسوخ . وأما قوله : فَأَيْنَما فإن معناه : حيثما . وأما قوله : تُوَلُّوا فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون تولون نحوه وإليه ، كما يقول القائل : وليت وجهي نحوه ووليته إليه ، بمعنى : قابلته وواجهته . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لإِجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى : تولون عنه فتستدبرونه ، فالذي تتوجهون إليه وجه الله ، بمعنى قبلة الله . وأما قوله : فَثَمَّ فإنه بمعنى : هنا لك . واختلف في تأويل قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال بعضهم : تأويل ذلك : فثم قبلة الله ، يعني بذلك : وجهه الذي وجههم إليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن النضر بن عربي ، عن مجاهد : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال : قبلة الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني إبراهيم ، عن مجاهد ، قال : حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها . وقال آخرون : معنى قول الله عز وجل فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فثم الله تبارك وتعالى . وقال آخرون : معنى قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم . وقال آخرون : عنى بالوجه : ذا الوجه ، وقال قائلوا هذه